خواطر اليوم السابع قراءة هادئة لنجوم البرامج الغنائية (١) كتب: سراج الدين مصطفى
خواطر اليوم السابع
قراءة هادئة لنجوم البرامج الغنائية (١)
كتب: سراج الدين مصطفى
(١)
يظل برنامج اغاني واغاني وبرنامج يلا نغني من اكثر البرامج الغنائية حضورا ومتابعة خلال رمضان حيث يشكلان مساحة للتنافس الفني وقياس تطور اداء المطربين من حيث الاحساس وجودة التطريب والقدرة على التعامل مع التراث الغنائي السوداني بروح معاصرة كما تكشف الحلقات تفاوتا واضحا بين الفنانين في التحكم في الطبقات الصوتية والقدرة على تقديم الاغنية بحضور حي يجذب المشاهد ويمنحه متعة سمعية وبصرية متكاملة
برزت الفنانة هدي عربي كايقونة واضحة داخل اغاني واغاني حيث استطاعت ان تفرض نفسها نجمة اولى رغم عدم انتمائها للجيل المؤسس الذي ضم جمال فرفور وعصام محمد نور واسرار بابكر ونادر خضر وقد استفادت من غياب هذه الاسماء الثقيلة لتملأ الفراغ بثقة واجتهاد مدعوم بقبول جماهيري واسع وتميز في خامة الصوت وقدرة على صناعة حالة من الطرب العالي مع ميل واضح الى الالحان الخفيفة والايقاعات الراقصة مثل السيرة والتم تم مع تجنب الالحان المركبة التي تحتاج الى مساحات صوتية اكثر تعقيدا
في المقابل يظهر بعض المطربين باداء جيد لكنه يفتقد البصمة الخاصة حيث يعتمد البعض على المحاكاة اكثر من اعادة انتاج الاغنية بروح جديدة بينما ينجح اخرون في خلق توازن بين احترام الاصل وطرح شخصية فنية مستقلة مما يجعل المنافسة مفتوحة ويمنح البرامج حيوية مستمرة ويؤكد ان نجاح المطرب في هذه المنصات لا يرتبط بجمال الصوت فقط بل بالذكاء في اختيار الاغنيات والقدرة على التواصل مع الجمهور عبر الشاشة لذلك تبدو هدي عربي حتى الان نجمة شباك وشاشة وصاحبة الحضور الاكثر تأثيرا في موسم هذا العام.
(٢)
ليس من العدل الغاء تجربة الفنان شكر الله عزالدين بجرة قلم فهو فنان استطاع في فترة سابقة ان يحقق حضورا جماهيريا معقولا وان يقدم نفسه نجما محبوبا خاصة لدى فئة الشباب كما اجتهد في تقديم اعمال خاصة اعتمدت على الصورة والاهتمام بالفيديو كليب وهو جانب يحسب له لانه حاول مواكبة التحولات الحديثة في صناعة الاغنية وتقديم شكل بصري مختلف يعزز انتشار العمل ويمنحه مساحة مشاهدة اوسع
لكن عند النظر بعمق الى التجربة نجد انها تفتقد عناصر الاستمرارية والخلود حيث لم تشهد تطورا حقيقيا في الادوات الابداعية وظل الاداء يدور في ذات الدائرة التي انطلقت منها البدايات دون مغامرة فنية توسع المساحات او تضيف بعدا فكريا وموسيقيا مختلفا ويمكن القول ان التجربة تفتقر الى مشروع فني واضح المعالم يحدد ملامح الهوية ويمنح الاعمال قيمة تتجاوز الانتشار اللحظي نحو التأثير طويل المدى
اما ظهوره في اغاني واغاني هذا العام فقد بدا باهتا مقارنة بتجارب اخرى حيث غاب احساس الاداء العميق وضعف عنصر التطريب في الصوت مما افقد الحضور بريقه وجعل المشاركة تبدو اقرب الى المجاملة الاعلامية اكثر من كونها عودة فنية قوية قادرة على استعادة الجاذبية وصناعة التأثير لدى الجمهور المتابع للبرنامج في رمضان.
(٣)
في برنامج يلا نغني والذي برزت بعض الاشراقات الجديدة التي تمنح المشاهد قدرا من التفاؤل بميلاد اصوات شابة قادرة على تقديم اضافة حقيقية للساحة الغنائية ورغم اختلاف الاراء حول قيمة التجربة الا ان المتابعة تكشف وجود محاولات جادة تسعى لاثبات الذات وتقديم خامات صوتية تحمل ملامح مشروع فني يمكن ان يتطور مع الزمن ويصنع حضورا مؤثرا في مستقبل الاغنية السودانية
من بين هذه الاصوات برزت الفنانة الاء الباشا بصورة لافتة خاصة في الحلقة المخصصة لاعمال الفنان محمد ميرغني حيث قدمت اغنية تباريح الهوى وهي من الاعمال الصعبة من حيث البناء اللحني والتفاصيل الموسيقية الدقيقة التي تحتاج الى صوت متمكن يمتلك القدرة على التحكم في الاحساس والتنقل بين المقامات بسلاسة دون فقدان روح النص الغنائي
استطاعت الاء الباشا بموهبتها الواضحة تجاوز صعوبة العمل وقدمت الاغنية ببراعة اتسمت بحضور فني ومعايشة صادقة للنص مما منح الاداء صدقا وجاذبية واظهر مقدرتها على التعامل مع الاعمال المركبة بثقة كبيرة وهو ما يؤكد اننا امام صوت واعد يستحق الانتباه والدعم خاصة اذا واصلت تطوير ادواتها واختيار اعمال تبرز مناطق قوتها وتمنحها فرصة ترسيخ هوية فنية مميزة في المرحلة القادمة.
(٤)
يمثل الفنان جمال فرفور تجربة فنية عتيقة ومعتقة لها جمهور واسع ارتبط بصوته وحضوره منذ سنوات طويلة حيث كان احد الوجوه البارزة في الساحة الغنائية ونجح في ترسيخ اسمه عبر مشاركات متكررة في البرامج والحفلات مما صنع له قاعدة من المعجبين الذين يرون في صوته جزءا من ذاكرة فنية مرتبطة بمرحلة مهمة من تاريخ الاغنية السودانية
غير ان المتابعة الحالية تكشف تراجعا واضحا في البريق الفني حيث بدا الحضور معتمدا على رصيد الماضي اكثر من تجدد الاداء وهو امر يطرح تساؤلات حول جدوى الاستمرار بنفس الوتيرة خاصة في ظل ظهور اصوات شابة تبحث عن فرصة اثبات الذات وكان من الممكن ان يفسح المجال لهذه الاصوات لتقديم طاقات جديدة تضيف حيوية للمشهد وتخلق حالة من التنوع داخل البرامج الغنائية
كما يلاحظ ان الاداء في بعض المشاركات الاخيرة داخل برنامج يلا نغنى افتقد لروح التطريب والاحساس العميق حيث بدا الغناء اقرب الى قراءة منظمة للنص اكثر من كونه معايشة وجدانية للاغنية ويعزز هذا الانطباع الاعتماد على ظهور الكلمات امامه اثناء الاداء مما افقد التواصل العاطفي مع اللحن والنص وبناء على ذلك تبدو التجربة في شكلها الحالي محتاجة الى مراجعة تعيد اليها الحيوية وتمنحها قدرة على التفاعل مع تطلعات الجمهور المتغير باستمرار
(٥)
الفنان احمد محمد عوض يستند في حضوره الفني الى ارث اسري كبير يتقدمه اسم عمه محمد احمد عوض ذلك الفنان المهيب الذي شكل علامة بارزة في تاريخ الاغنية السودانية وقد نشا احمد داخل هذه البيئة المشبعة بالفن مما انعكس على وعيه المبكر بالموسيقى واكسبه خبرة في التعامل مع النصوص والالحان وجعل اسمه معروفا وسط جيله بلقب العميد في اشارة الى حضوره وثقته في تقديم ذاته على المسرح
يمتلك احمد صوتا جميلا وخامة مميزة تؤهله لاداء الاغنيات بالطريقة الشعبية حيث يظهر تمكنه من حفظ الرواية الاساسية للاعمال وتقديمها بروح تحافظ على اصالتها دون افتعال او مبالغة لذلك تبدو مساحته الطبيعية في التركيز على التراث الشعبي والموروث السوداني الاصيل مع الاهتمام بالتنقيب في اعمال الحقيبة والعمل على تكوين رصيد غنائي خاص يعبر عن هذا اللون ويمنحه هوية واضحة وسط المشهد الغنائي
من المهم ان يبتعد عن الاعتماد على الاوركسترا المكتملة والزخم الموسيقي الكبير لان طبيعته الصوتية تنسجم اكثر مع الطريقة الشعبية ذات البناء الدائري في اللحن والاداء ويمكن الاكتفاء باستخدام بعض الالات مثل الباص جيتار والاورغن لمنح العمل دعما ايقاعيا خفيفا يحافظ على بساطة الطرح وبذلك يستطيع تقديم اضافة نوعية حقيقية تعزز حضور الفن الشعبي وتمنحه استمرارية
(٦)
عند المقارنة بين برامج الغناء الرمضانية مثل اغاني واغاني ويلا نغني لا يقتصر التقييم على اداء المطربين فقط بل يمتد الى عناصر التقديم والتنفيذ الموسيقي بوصفها عوامل حاسمة في صناعة تجربة مشاهدة متكاملة حيث تلعب شخصية المقدم وطبيعة الحوار دورا مهما في جذب المشاهد وخلق حالة من الانسجام بين الفقرات والغناء والمعلومة
في جانب التقديم يظهر تفوق واضح للاعلامي مصعب الصاوي الذي يمتلك خبرة وثقافة موسيقية ومعرفة ثرية بتاريخ الاغنية السودانية مما يمنحه القدرة على ادارة حوار سلس ومتوازن يثري الحلقة ويمنح الفنان مساحة مريحة للحديث والغناء بينما تبدو تجربة تريزا شاكر اقل تماسكا من حيث عمق المعلومة وطريقة ادارة النقاش الامر الذي ينعكس على ايقاع الحلقة ويجعل الحوار احيانا يفتقد التركيز المطلوب
في المقابل يسجل برنامج يلا نغني نقطة تفوق واضحة في التنفيذ الموسيقي المتقن حيث تبدو الفرقة اكثر انسجاما وتماسكا بينما يعاني اغاني واغاني من ضعف نسبي في هذا الجانب خاصة مع توزيع الفرقة في موقعين مختلفين مما خلق احساسا بالعزلة بين العازفين وافقد الاداء وحدة الشعور والتواصل اللحظي وهو عنصر اساسي في صناعة الطرب الحي وجعل الاحساس الموسيقي يبدو منقسما ويحتاج الى معالجة تعيد للفرقة روحها
(سراج الدين مصطفى)



